محمد باقر الملكي الميانجي
160
مناهج البيان في تفسير القرآن
الدّين الإلهي مع تأسيسه على الفطرة وتحكيم دعائمه بالعقل والهدى لا ريب فيه ، ولا مورد للاختلاف بين علمائه . ولذلك ترى أنّ رجال الوحي وأئمّة التوحيد يبلّغون عن اللّه دينه الّذي ارتضاه لأنبيائه وملائكته ، ويبشّر السابق منهم بمجيء اللّاحق ويصدّق اللّاحق دعوة السابق . والقرآن الكريم يمجّدهم ، ويعظّم شأنهم ، ويذكّر بمواقفهم الحميدة . ويشكر مجاهداتهم الحقّة ، ويصدّق شرائعهم وعلومهم ، ويصفهم بأنّهم بررة أتقياء ، وأفاضل مطهّرون ، ولهم عند اللّه مقامات ، وأماكن رخيصة ، ويشهد لهم أنّهم شهداء اللّه في أرضه ، وأمناء اللّه في عباده وبلاده . والآية الكريمة تصرّح بأنّ دين الأنبياء الّذي أخذوه عن اللّه هو الإسلام ، وإنّما نشأ الاختلاف أوّل ما نشأ عند أهل الكتاب ، فإنّهم قد اختلفوا وتشعّبوا شعبا ، وتحزّبوا أحزابا ، فاليهود أنكروا المسيح المقدّس ، والنصارى أنكروا اليهود ، وهم قد اختلفوا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله خاتم المرسلين وإمام الأئمة المقرّبين فأنكروه . ولعلّ السرّ في بروز الاختلاف عند اليهود والنصارى أنّ الأنبياء قبل موسى - على نبيّنا وآله ، وعليه السلام - ما جمع اللّه - تعالى - لهم النبوّة والسلطنة ، وما مكّنوا في الأرض بما مكّن به موسى عليه السلام ، ولم تتحقّق بين أممهم دواعي التقدّم ونزاع الترفّع والاعتياش بالدّين والارتزاق بالمناصب الدينيّة ، والجاه والترؤّس بعنوان الحبريّة والرهبانيّة ، ولم يعهد التباغض والتحاسد في أهل ملّة واحدة زمان اليهود إلّا ما وقع من ابن آدم قابيل لأخيه من الحسد والقتل ، وقد كان الناس أمّة واحدة فبعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان ، لا يعرفون الاختلاف ولا يختلفون . فالتزاحم والتنازع بين الّذين أوتوا الكتاب نشأ منهم بغيا بينهم وعدوانا منهم لا لأجل إحقاق الحقّ . وهكذا اختلاف أمّة الإسلام بعد نبيّهم ، نشأ من الحسد والبغي والعدوان ، فصار الدّين وأحكامه تتحوّل بتحوّل ملوك الإسلام والفراعنة والجبابرة الذين اتكؤوا على كرسيّ الإمارة ، يميل الدّين معهم حيثما مالوا ، وقد كان حولهم الأغبياء الجهلة ، والأشقياء الفسقة ، والعلماء الخونة يأكلون بهم الدّنيا ويقيمون لهم عماد ضلالهم ، ويروّجون لهم شؤون رئاستهم فشوّهوا علوم